أحمد بن سهل البلخي

436

مصالح الأبدان والأنفس

الإنسان الطيب غبّا ، وعند توقان نفسه ونزاع « 1 » طبيعته إليه ، كان أشهى له موقعا منه « 2 » ، وهكذا حال جميع المحسوسات اللذيذة ، إذا أجمّ « 3 » الإنسان منها نفسه ، حتى تتوق إليها ، ثمّ يتناولها مشتهاة « 4 » له « 5 » ، فإنّه عند ذلك يجد لذّتها على التمام والكمال . ومن التدبير الفاضل في باب الاستمتاع بالمشمومات الطيّبة أمران : أحدهما : ألّا يدني الإنسان شيئا منها إلى أنفه إدناء كثيرا ، فإنّ كلّ مشموم منها يغلب عليه كيفيّة / قوّته من الحرارة أو البرودة يضرّ بصاحب مزاج من المزاجات ؛ فإذا تشمّم الطيّب من بعد كان أسلم له من أذاه ، وأدفع لغائلته . ولكنّ الأصلح أن يبخّر له المجلس الذي يكون فيه ، ليختم به ، فيصل إليه من رائحته الشيء المعتدل الذي لا يضرّ به ، ولا يخلص إليه منه ما يؤذيه . وكذلك يجب أن تبخّر له ثيابه ، ثمّ يلبسها معطّرة ، ليكون ما شمّ من رائحتها ألذّ وأدوم ، وأشدّ اعتدالا ، وأقلّ أذى . وهذا نظير ما قلناه في باب الاستدفاء من البرد ، إنّه يجب أن يسخّن البيت ، ثمّ يجلس فيه بوقود يكون بعيدا منه ، ليناله من حرارة هواء البيت القدر المعتدل ، فيكون ألذّ وأسلم من الغائلة التي ربّما أصابت من يقرب من الصّلا ، ويناله وهجه ولفحه ، فيضرّ به ذلك لإفراطه عليه . والآخر : أن يكون ما يستمتع به من المشمومات - إن كانت رياحين - أصنافا مجموعة من ذوات طبائع مختلفة حارّة وباردة ، وممّا يقدر / عليه في زمان واحد ، ليعدّل بعضها بعضا ، فتعتدل روائحها ، وتصلح لصاحب كلّ طبيعة . وأمّا إن

--> ( 1 ) نزع إلى أهله نزاعة ونزاعا ، بالكسر ، ونزوعا ، بالضم : اشتاق ( القاموس المحيط ن ز ع 2 / 1025 ) . ( 2 ) أي : كان أشهى له موقعا منه إذا تناوله بخلاف ذلك . ( 3 ) أجمّ الإنسان والفرس ونحوهما : استراح ، فذهب إعياؤه ( المعجم الوسيط ج م م 1 / 137 ) . ( 4 ) في أ ، ب : مشتهيا . والأولى ما أثبت . ( 5 ) الضمير في « له » عائد على الإنسان .